عندما تحدث صديقي الزنجي عن بيروت

3agabadays:

بيروت - 17/23-12
 
أشعر بارتباك كبير، كل ما أتفوه به من كلمات يبدو قاصراً عن إيصال المعنى المراد، حتى ذلك الكلام الذي ألفت قوله، أفكاري شديدة العمومية عن الفن والتلقي والسياسة -وعمّان والقاهرة ومصر أيضاً- تتعثر في خروجها مني لتبدو مثير للشفقة.
قلبي يتضخم، ليتسع قلبي لمآسي العالم لابد أن يتضخم، ولا خوف إلا أنه يتضخم على مراكز حسي، في الليل اختنق قليلاً، أقوم، أخبط بكفي مفتوحة على صدري لعل قلبي يرتاح قليلاً ثم أعود للنوم.
الحمرا ليست بيروت، يكرر الناس ذلك، ولا الجميزة، ولا الأشرفية، ولا السنتر فيل حتماً، ولا سوديكو، ولا عين المريسة، ولا راس النبعة، ولا الملّا، وبيروت على الأغلب ليست شيء بعينه، بيروت لا تدرك على وجه التحديد ما هي لكي يفهم الناس عنها، بيروت هي انعدام الزام الزمان والمكان للذهن بتصور ماهو قائم عليهما، بيروت شبيهة بتلك الفتاة اللطيفة بشعرها الأصفر، تتحدث ببساطة، كأن الزمان ممتد أبداً، لا هموم آنية، تكاد من فرط خفتها تطير، تكاد من فرط ثقل خفتها تهوي إن طارت، كانت أيتن تحدثني في إعجاب عن ما إذا كان من الممكن أن تكون حياتنا -فقط تكون- بسيطة، كتلك العبارات السهلة الرائقة التي تنساب من فم الفتاة، تركتها تتوهم، فلن تحب ما تجد في النهاية. 
الحياة ليست مؤسفة في بيروت على وجه الخصوص، الحياة مؤسفة بشكل عام، بينما كنت أتقلب بين الحمرا والملّا، كانت حبيبة سابقة تسحل على يد العسكر على الأسفلت الحاد للقصر العيني، امتنعت عن التصوير حزناً، تجاهلت كل ما أردت تصويره في بيروت، لا صور للجرافيتي ولا للملصقات الدعائية الأنيقة، في طريقي إلى مسرح بيروت اصطدمت بموسيقى منبعثة من مكان ما في الشارع، تتبعت الموسيقى بفضول حتى وجدت ثلاثة شباب -أحدهم يلبس الكلت الاسكتلندي- يلعبون ما بدا لي أنه موسيقى شعبية اسكتلندية وأمامهم جمع راقص، لا شيء أكثر إثارة للبهجة من جمع راقص في قلب الشارع، لا شيء أكثر إثارة للأسى من أن تفكر بمن مات ومن راحت عينه بينما يتراقص الناس أمامك جذلاً، أردت أن أصورهم، وخجلت من صور التحرير الماثلة في ذهني وانصرفت.
تحكيني نور أنها بينما هي جالسة في بريسك في الحمرا مر أمامهم رجل يلبس طربوش ومعطف قديم يخرج من طياتها علم كبير للبنان، وقف الرجل مواجهاً مقاعد بريسك، رفع علمه وصرخ، “لبنان مش للبيع، قولوا لأسيادكم لبنان مش للبيع”، استمر العرض خمس دقائق كاملة، مصحوباً بشتائم لأغلب جنسيات الأرض، قبل أن يعيد الرجل ضم العلم إلى جسده ويكمل طريقه، الحرب لم تنته، لا تحتاج لمثل هذا العجوز الأخرف لتدرك، لبنان أرض غير مستوية، اتصالات رديئة، مياة مالحة، كهرباء متقطعة، وسؤال هوية لن يحسم إلا بانتهاء الحرب.  
بيروت تبدو كما لو كانت القاهرة والأسكندرية، ضربتا في خلاط كولونيالي محترم، ثم ألقي ما كان به باستهتار على رقعة أرض، هنا قطعة من الدقي إلى جوار قطعة من رشدي، شارع من الفجالة بجوار مول من مدينة نصر، مسرح الجيزويت في قلب شارع شهاب، ولا بأس، من اعتاد العشوائية سيحب بيروت، سيحب رأسها العامر بالأشياء، سيحب قلبها النابض بالخوف، خوف لا تبذل جهداً في ادعاء سواه، شوفرية التاكسيات في بيروت لا يكتمون حديث الحرب عن الغرباء، حديث الضيق بالظروف، لا يبالون إن كنت زبون آخر متعب في نهاية الليل، ستستمع في كل الأحوال، أحدهم أخبرني أن العالم غير عادل بحال، وافقته، ثم أردف “كان فيني كون الأمين العام للأمم المتحدة لو كنت بس مولود بغير محل”.
حتى شوفرية التاكسيات في بيروت يدركون الحقيقة المرّة: الحياة هي في مكانٍ آخر. 
في زيكو هاوس أسأل البار مان على بيرة داكنة، يهز رأسه أن لا، ويناولني بيرة روسية في زجاجة أشبه بزجاجات الرضاعة، يمر أحد السكاري مخبراً إياي “إيه دا دي شكلها عاملة زي ما تكون بزازة” أهز رأسي صامتاً، بجواري بقف سلام مقلداً إياي، لا أتفاعل جسدياً مع المزيكا، كل من يعرفني يعرف عني هذه الأشياء، وفي المقدمة هاني الدقاق يغني “أوتوستراد خمس حارات وسط البيوت، والناس ما تعرفش تعدي، والناس تموت” بينما يرقص الحاضرون بجنون، أقلب شفتي امتعاضاً الموت ليس موضوعاً للتناول مع السكارى، موت العجائز على كورنيش اسكندرية تحديداً، لكن لا بأس، مادام زيكو سعيداً فالأمر سيّان بالنسبة للحضور.
يحدث في بيروت أحياناً أن تكون وحيداً يبحث عن مطعم بعينه لتناول غدائك، يحدث أن تظل تبحث عن ذات المطعم لخمسة وأربعين دقيقة، ساعة إلا ربع تنقضي من الزمان بينما تلف في مساحة لا تتجاوز مربع الخمسمائة متر، يحدث أن تجلس على الأرض منهكاً تبكي في هيستيريا بينما يتسائل المارة ما بال هذا الأحمق، يحدث أن ينقشع بكاؤك وتنقشع معه غشاوتك فتجد المطعم أمامك.
يحدث في بيروت أحياناً أن تكون غريب وتلتقي غريب مثلك، يؤنس وحدتك بوحدته ويأتنس بوحدتك، يلقي في قلبك سلام مفاجئ وبضعة منه، ينسى وينسيك أن الفراق قريب وحتمي وأكثر واقعية من هشاشة اللحظات الطيبة التي ستقضونها تحتسون القهوة، حتى إذا نسيت تماماً يحتضنك ثلاثاً سارقاً منك قطعة صغيرة جداً من روحك ويمضي بها، ما بال سرّاق بيروت لا يقصدون المال.

عندما تحدث صديقي الزنجي عن بيروت

3agabadays:

بيروت - 17/23-12

 

أشعر بارتباك كبير، كل ما أتفوه به من كلمات يبدو قاصراً عن إيصال المعنى المراد، حتى ذلك الكلام الذي ألفت قوله، أفكاري شديدة العمومية عن الفن والتلقي والسياسة -وعمّان والقاهرة ومصر أيضاً- تتعثر في خروجها مني لتبدو مثير للشفقة.

قلبي يتضخم، ليتسع قلبي لمآسي العالم لابد أن يتضخم، ولا خوف إلا أنه يتضخم على مراكز حسي، في الليل اختنق قليلاً، أقوم، أخبط بكفي مفتوحة على صدري لعل قلبي يرتاح قليلاً ثم أعود للنوم.

الحمرا ليست بيروت، يكرر الناس ذلك، ولا الجميزة، ولا الأشرفية، ولا السنتر فيل حتماً، ولا سوديكو، ولا عين المريسة، ولا راس النبعة، ولا الملّا، وبيروت على الأغلب ليست شيء بعينه، بيروت لا تدرك على وجه التحديد ما هي لكي يفهم الناس عنها، بيروت هي انعدام الزام الزمان والمكان للذهن بتصور ماهو قائم عليهما، بيروت شبيهة بتلك الفتاة اللطيفة بشعرها الأصفر، تتحدث ببساطة، كأن الزمان ممتد أبداً، لا هموم آنية، تكاد من فرط خفتها تطير، تكاد من فرط ثقل خفتها تهوي إن طارت، كانت أيتن تحدثني في إعجاب عن ما إذا كان من الممكن أن تكون حياتنا -فقط تكون- بسيطة، كتلك العبارات السهلة الرائقة التي تنساب من فم الفتاة، تركتها تتوهم، فلن تحب ما تجد في النهاية. 

الحياة ليست مؤسفة في بيروت على وجه الخصوص، الحياة مؤسفة بشكل عام، بينما كنت أتقلب بين الحمرا والملّا، كانت حبيبة سابقة تسحل على يد العسكر على الأسفلت الحاد للقصر العيني، امتنعت عن التصوير حزناً، تجاهلت كل ما أردت تصويره في بيروت، لا صور للجرافيتي ولا للملصقات الدعائية الأنيقة، في طريقي إلى مسرح بيروت اصطدمت بموسيقى منبعثة من مكان ما في الشارع، تتبعت الموسيقى بفضول حتى وجدت ثلاثة شباب -أحدهم يلبس الكلت الاسكتلندي- يلعبون ما بدا لي أنه موسيقى شعبية اسكتلندية وأمامهم جمع راقص، لا شيء أكثر إثارة للبهجة من جمع راقص في قلب الشارع، لا شيء أكثر إثارة للأسى من أن تفكر بمن مات ومن راحت عينه بينما يتراقص الناس أمامك جذلاً، أردت أن أصورهم، وخجلت من صور التحرير الماثلة في ذهني وانصرفت.

تحكيني نور أنها بينما هي جالسة في بريسك في الحمرا مر أمامهم رجل يلبس طربوش ومعطف قديم يخرج من طياتها علم كبير للبنان، وقف الرجل مواجهاً مقاعد بريسك، رفع علمه وصرخ، “لبنان مش للبيع، قولوا لأسيادكم لبنان مش للبيع”، استمر العرض خمس دقائق كاملة، مصحوباً بشتائم لأغلب جنسيات الأرض، قبل أن يعيد الرجل ضم العلم إلى جسده ويكمل طريقه، الحرب لم تنته، لا تحتاج لمثل هذا العجوز الأخرف لتدرك، لبنان أرض غير مستوية، اتصالات رديئة، مياة مالحة، كهرباء متقطعة، وسؤال هوية لن يحسم إلا بانتهاء الحرب.  

بيروت تبدو كما لو كانت القاهرة والأسكندرية، ضربتا في خلاط كولونيالي محترم، ثم ألقي ما كان به باستهتار على رقعة أرض، هنا قطعة من الدقي إلى جوار قطعة من رشدي، شارع من الفجالة بجوار مول من مدينة نصر، مسرح الجيزويت في قلب شارع شهاب، ولا بأس، من اعتاد العشوائية سيحب بيروت، سيحب رأسها العامر بالأشياء، سيحب قلبها النابض بالخوف، خوف لا تبذل جهداً في ادعاء سواه، شوفرية التاكسيات في بيروت لا يكتمون حديث الحرب عن الغرباء، حديث الضيق بالظروف، لا يبالون إن كنت زبون آخر متعب في نهاية الليل، ستستمع في كل الأحوال، أحدهم أخبرني أن العالم غير عادل بحال، وافقته، ثم أردف “كان فيني كون الأمين العام للأمم المتحدة لو كنت بس مولود بغير محل”.

حتى شوفرية التاكسيات في بيروت يدركون الحقيقة المرّة: الحياة هي في مكانٍ آخر. 

في زيكو هاوس أسأل البار مان على بيرة داكنة، يهز رأسه أن لا، ويناولني بيرة روسية في زجاجة أشبه بزجاجات الرضاعة، يمر أحد السكاري مخبراً إياي “إيه دا دي شكلها عاملة زي ما تكون بزازة” أهز رأسي صامتاً، بجواري بقف سلام مقلداً إياي، لا أتفاعل جسدياً مع المزيكا، كل من يعرفني يعرف عني هذه الأشياء، وفي المقدمة هاني الدقاق يغني “أوتوستراد خمس حارات وسط البيوت، والناس ما تعرفش تعدي، والناس تموت” بينما يرقص الحاضرون بجنون، أقلب شفتي امتعاضاً الموت ليس موضوعاً للتناول مع السكارى، موت العجائز على كورنيش اسكندرية تحديداً، لكن لا بأس، مادام زيكو سعيداً فالأمر سيّان بالنسبة للحضور.

يحدث في بيروت أحياناً أن تكون وحيداً يبحث عن مطعم بعينه لتناول غدائك، يحدث أن تظل تبحث عن ذات المطعم لخمسة وأربعين دقيقة، ساعة إلا ربع تنقضي من الزمان بينما تلف في مساحة لا تتجاوز مربع الخمسمائة متر، يحدث أن تجلس على الأرض منهكاً تبكي في هيستيريا بينما يتسائل المارة ما بال هذا الأحمق، يحدث أن ينقشع بكاؤك وتنقشع معه غشاوتك فتجد المطعم أمامك.

يحدث في بيروت أحياناً أن تكون غريب وتلتقي غريب مثلك، يؤنس وحدتك بوحدته ويأتنس بوحدتك، يلقي في قلبك سلام مفاجئ وبضعة منه، ينسى وينسيك أن الفراق قريب وحتمي وأكثر واقعية من هشاشة اللحظات الطيبة التي ستقضونها تحتسون القهوة، حتى إذا نسيت تماماً يحتضنك ثلاثاً سارقاً منك قطعة صغيرة جداً من روحك ويمضي بها، ما بال سرّاق بيروت لا يقصدون المال.

  1. turquaaz reblogged this from 3agabadays
  2. yousofouso reblogged this from 3agabadays and added:
    عندما تحدث صديقي الزنجي
  3. 3agabadays posted this